Thursday, August 7, 2008

جدّاتنا

لم أستطعْ إخفاء تلك الابتسامة التي كانت أقوى من الكلمات وخرجتْ لتظهر جزءاً ولو قليلاً من دهشتي في تلك اللحظة ..
جدّتي ، التي لا تحب تلك الآلة العجيبة التي تأخذ جلّ وقتي ، أراها جالسةً على الكرسي المقابل لها ، وعلى أذنيها تلك السماعات وللمرة الأولى أيضاً ..على وجهها تتربع تلك الابتسامة ..هي ذاتها التي ترتسم تلقائياً وهي تحدّثنا عن ما غبر ،...لم أشعرْ يوماً بفضولٍ كذلك الذي اجتاح فكري وقتها ..ماذا تراها تسمع ؟.. ولمن ؟..

وعندما اكتشفت السرّ ،..وقتها فقط وجدتُ تلك الكلمات التي كنتُ أبحث عنها لتعينني على وصف ولو قليلاً من إعجابي بــ " تميم البرغوثي " ..هو ذلك الشاعر الذي يكتب ببساطة ..ببساطة وبكلمات دارجة حتى الفصحى منها ..،...ليس لأن القصيدة تعنيها أكثر من غيرها ،.. ولا لأنها تتحدث عنها وعن تفاصيل تعشقها جدتي رغم قساوتها عليها ..السبب يعود في مطلق الأحوال إلى كون " تميم " ،..يعرف الطريق إلى كل قلب ، ولنكن أكثر دقة ..يعرف بدقة الطريق إلى كل فلسطينيّ ..

ذكرتني مقاطع القصيدة ،.. بمشاهد عدّة كانت غائبة عن ذهني لفترات طويلة ، ربما لأنها لم تكنْ تعني أكثر من مجادلات انتهت حينها ..جدّتي ،..التي تعشق هواية جمع كل ما هو أخضر ،..تجففه على سطح الدار ،.. تلفه بأكياس مختلفة الألوان ..تقسمه نصفين ..نحتفظ بواحد ، في حين تتركُ آخراً في مكانٍ سريٍّ ليكون هديتها لعمتي التي تسكن الأردن ، وكلما تكرر ذلك أواجهها بعباراتي المبتورة ..
" ستّي ..نفسي أعرف ع شو خايفة ...معندهمش مجاعة في الاردن ،..عندهم كل شيء ..زيت \زيتون\جبنة وحتى كمان عندهم زعتر ومريمية "
في هذه اللحظة ،..أنا مسرورة للغاية بأن جدتي لم تكنْ تعير ما أقوله أي اهتمام ..سعيدة بأن مفهومها البسيط لم يتغير أمام هرطقتي الغبيّة والتي أخجل منها الآن أكثر من ذي قبل ..
لستُ أودّ الحديث عن جدّتي بقدر كوني نادمة بشكل فظيع ،..أعلم بأن الأوان لم يفتْ وباستطاعتي أن أذهبَ إليها وأستمتعَ بهواية جمع الأخضر معها ،..لا وبل إن أردت باستطاعتي مرافقتها في رحلتها اليومية الصباحية إلى أقرب قطعة أرض تخص عائلتي ..ولكن القضية هنا ليست قضية ندمٍ ..أو قضية كوننا \نحن الشباب\ في معزلٍ كبير عن أهم وأروع تفصيلٍ يحيط فينا ..لستُ أتحدَّث بطبيعة الحال عن كومة الدعاوي المعسولة كل صباح والتي تعيننا على مواجهة تلك الاختبارات المدرسية المجازية ،..ولست أتحدُّث عن دفء خبز الطابون والذي رغم تقدمها في العمر لا تزال تستمتع بخبزه كل فترة وأخرى رغم دعوات أبي المتكررة لها بعدم فعل ذلك خشية أن تتعب ..
أتحدّث الآن عن أن هذا التعب الذي قد تجنيه من خَبز خُبز الطابون بين فترة وأخرى ، لا يلبث وأن يضمحل ويتلاشى كلما رأتني وأخوتي نأكل منه ..فنرجع تلقائيا إلى ماضيها ،.. إلى تلك الحقبة التي تريدنا أن نكون فيها رغم بعدنا اليومي عنها .. تريدنا جدّتي أن نكون " نحن " ،.. لم تفشل بطبيعة الحال في تحقيق ذلك مع أبي وعمتي ..\\ولداها الوحيدان\\ .. ولكنها تخشى أن يفشلوا هم في ذلك ..وأن نذهب من غير رجعة ...

البارحة فقط ،..رأيتُ أكبر ابتسامة على وجه جدّتي مذ عرفتها .. لم أكن أنتظر كبرها .. لكني كنت أنتظر هذا العمق الذي شع من عينيها وهما تشهدان دهشتي ..

البارحة أيضاً ،..التصقت عبارة لم أدرِ مصدرها من أين .
" والله ..الزمن راح ومحدش بيقدر يرجعه " ..

الآن ،...يمكنني أن أقول بأن مصدر هذه العبارة هو إنسان لا يعي جيّداً كم هن جداتنا قويّات ،..وكم باستطاعتهن فعل الكثير من أجل إرجاعه ..الأمر لا يحتاج إلى مؤسسات وجمعيات تراثية ممولة خارجية ..ترقص وترقص ومن ثم لا تلبث أن تفتر وتتهاوى ..جل ما يحتاجه الأمر ..هو حاصلٌ الآن ...جلساتُ جدّتي وعجائز الحارة اليوميّة وأحاديثهن عن المهمة اليومية لإحضار الماء في الجرار من الحاووز ..جدالا تهن عن ماذا فعلت أم فلان كي تجعل ابنها علان يبقى في البلد ولا يسافر .. كل ذلك وأكثر يكون يومياً في مواجهة الزمن ..في حين يرقد مديرو هذه المؤسسات والجمعيات أمام شاشات التلفزة يرقبون آخر الصرعات والتطورات ..

جدّتي ،..آسفة جدّا ، قد أكون ظننت بأنّك لا تحبيني فقط لأنك وددتِ أن أكون صبيا .. حتى هذه النقطة باتت لا تزعجني البتة .. رغم أني لست بصبي ..ورغم كوني فتاة .. ولن تتباهي بي بقدر ما كنت ستتباهينه في حال كنت صبيا ..رغم ذلك كلّه أنا أعي جيّداً ذلك الحير الكبير الذي أحتله في قلبك ..

جدّتي ،..
في هذه اللحظة بالذات ..أستطيع أن أقول بأن سبسطيه رائعة ..رائعة جدّاً جدّاً ..استطاعت ولفترات طويلة وغابرة أن تخبأكنُ فيها ..أنتِ وجدّاتي الأُخَر .. أثوابكن التي تجعل من الجو ربيعا كل السنة ..أحمر ، أخضر ، أصفر ، بني ، ليلكي ، مزركش ، مزهّر .. خرقكن البيضاء والتي جاءت لتخفف من وطأة السواد الذي يغشي ما يحيط بنا.. أصواتكن في الأفراح وهي تقاوم ثقل السماعات الغبية في آذننا .. وأنت تغنين ، تزغردن للجميع ..وفي عيونكن ذكرى آخر فرح شاهدتنه في تلك اللحظات ..

2 comments:

لاجئ الى متى said...

زمانهم الجميل بكل ما يحمل من مأساة
زمانهم في نظرها لن يستطيع احد ارجاعه
ولكن لى الأقل يا عروبة
فلنتمسك به
فتاريخ اجدادنا كالذهب الخالص النقي
ليس من السهل الحصول عليه

وتلك اللهجة .. ايـــه

......

بالأمس جاء الي صديق في عينيه الألم باد
فأجاب حينما سألته عن تأخره
جدتي تعاني السكرات
وأضاف انها لا تتلفظ بشيء من الزمن الحاضر
وانما تحكي قصصا متوالية عن ايام الرحيل من الارض
وتذكر بالأسماء فلان وفلان

فأحاطني الحزن من جديد
وأنا فعلا أتذكر الكثير من كبار السن عند السكرات
فعلا لا يتلفظون بغير القصص الأليمة عن تركهم للأرض

حتى في رحيلنا نتحدث عن الرحيل

قييل قديما .. يولد المء باكيا والناس من حوله يضحكون
ويموت مبتسما والناس من حوله يبكون

هذه المقولة قد تنطبق على الكثير لكن نحن
نولد ونحن نبكي
ونموت وفي ذاكرتنا المأساة .. فنبكي ثم نموت

عـــــــــــــــروبة said...

أخي ..

لاجئ

" ليس من السهل الحصول عليه" ولكن الاحتفاظ به أصعب بكثير ..بكثير ..

بالنسبة للهجة ، فكثر يقولون لي بأن كالعجائز وذلك لأني أتلفظ بكثير من مصطلحات باتت حكرا على الجدات وهجرها الأبناء ..
هي باختصار شديد رائعة للغاية


-----
بالنسبة لصديقك هذا ،..سيجيء يومٌ يعاني هو كذلك من سكرات جدته ..لا في لحظة وداعه .وانما في حياته ككل عندما يدرك فعلا بماذا كانت جدته تهذي ...

أتدري شيئا آخر ،..

لم أرَ سياسياً حاذقاً كجداتنا ..
لديهن منطق ولا منطق السياسيين الجنوني ..

ولكن فلندعْ الآن الحديث عن السياسة جانبا ..

ولأقل لكَ شيئاً ..أنا مؤمنة وبقوة بميلادنا الآخر ..في تلك اللحظات الكثر التي تكتشف فيها ذاتك ..أنت بطبيعة الحال تولَد فيها بيدك ..في هذه اللحظات فاجحئ الجميع بضحكة قوية ومدوية لتعوّض عن بكائك الأول..

هكذا أفعل

تحيتي