Sunday, May 11, 2008

محاولةُ بقاءٍ

الاسم : ليندا .
العمر :7 سنوات.
مكان السَّكن : سبسطية \ نابلس .
الهوايات : حاليَّاً انتظار مكالمات والدها بين الفينة والأخرى .

لمْ يكنْ وجودُ زوارٍ في منزلنا يثير اهتمامي كثيراً ، فلطالما كنتُ أجدُ وجودي معهم أمراً غريباً ولا سيَّما وأني لا أجد ذلك الموضوع الذي قد أستعرضه معهم .. ولكن دائماً تجيء لحظات تجعلُكَ تكسِّرُ كل تلك التعميمات التي أحطت ذاتكَ بها ،، طفلة صغيرة مبتسمة جالسة على طرف الأريكة تتابع التلفاز مع أخوتي ، لفتتْ نظري كثيراً وبالأخص بأن الابتسامة لم تفارق محياها ، في كل مشاهد التلفاز اليومية ، المحزنة ، المفرحة ، الداعية لقضب الحاجبين ، ..الخ ، رغم ذلك كله لم أشهدْ تقلصاً في مساحة تلك الابتسامة الواسعة التي احتلَّتْ الجزء السفلي من وجهها ولم تفارقْه ...
أخذت المشاهد تدور في ذاكرتي ،وفجأة تذكرت من بينها أن والد هذه الطفلة والذي هو قريبٌ لعائلتي ، هو الآن معتقل في السجون الاسرائيلية ، جراءَ حملة اعتقالية اعتقل على اثرها 8 مواطنين، وعلى اثرها أيضاً ظهرتْ لَمَساتٌ أخرى للحزن في قريتي ، ولكن أستطيعُ أن أقول بأنها قد جوبِهَتْ ،، فالأيدي القابضة ببعضِها تُرِهبُ الحزنَ فيولي دبره بعيداُ الى حيث لا رجعة ..

لم أستطعْ اخفاءَ اهتمامي الشديد بها ، أردتُ بطريقة أو بأخرى فتح الستارة المنسدلةِ أمامَ أحاسيس وآراءِ أطفالنا في ما يجري من حولنا ، أهم سُذَجٌ كما يقولون؟؟؟ ، أم ترى تستثيرهم الأحداث التي تُحاكُ حولهم؟؟؟ ..
قالتْ لي ..:
كانتْ الدنيا ليل ،، بس أنا و" رمزي " ،كنا صاحيين وامي وأبوي ،،، طبلوا بصوت عالي ، عالي كتير ..بعدين اجيت ركظ ع حضن أبوي ، بس هما أجو أخذوه .. أمي عيّطت ، بعدين أنا عيطت أنا وأخوي ،، أخوتي التانيين ضلوا نايمين مصحيوش ..
هو بيضل يتصل فينا ، ويسألنا عن أخوي الصغير .. بيسألنا " صار يحكي ولا لسَّا ؟" ، هو صار يحكي وبضل يحكي ... اخوي التاني مرَّة قال لأبوي :" يابا اطلع من الحبش وأنا بدي أنحبش مكانك "...
أبوي قلنا نبيع الغنمة ، هي ولدت وجابت 2 غنمات صغار ... أنا بحب الغنم بضل أنا وأخوتي نرعيهم ، بس هما باعوهم ، لما بدو يرجع أبوي بدنا نشتريهم مرة تانية ..
*****
ربَّما تكون الطفولة السبب الرئيسي لفهم كل شيء لا العكس كما يظن الأغلب ، ما لفت انتباهي هو طريقتها الاستثنائية في سرد الأحداث ، وكالعادة أيضاً لم ترحلْ الابتسامة عن وجهها ، وظلَّتْ كما هي .. لم أستطعْ أنا كذلك من حبس ابتسامتي التي انفجرتْ مع " يااه " ،..
واستكمالاً للحديثِ عن هذا الموضوعِ ، اعتقل والدها عشية الليلة المسماة بــ " عيد الحب " ، لم تستطع تلك الوحوش وبعد دسها لفكرة " عيد الحب " في زمن الكره أن تجعلنا نستشعر هذا الحب حتى ولو كان مجرَّد زيفٍ مصطنعٍ مجلوبٍ غصباً عنا ، في تلك الليلة بالذات وعلى خلافِ ليلات العامِ بأسره ، جاؤوا متسلحين بكرههم للإنسانية ،، جاؤوا وعلى وجوههم يرتسم جبنٌ متوارٍ خلف شجاعةٍ مدسوسةٍ ، عيونهم لا تزال ترهب آخر فلسطينيٍّ صرخ في وجههم " لا " ،لمْ يقاوموا ابتسامتها ، لذلك لمْ ترَ تلك العائلة معيلها منذ 14\2 \2008 ، ولذلك أيضاً لمْ تشهد شجرةٌ أخرى وريقةً سقطتْ منها قبل عقود على أمل الرجوع ، ولكنَّ مفردة الرجعة والعودة استعصى على تلك الوحوش هضمها فاحتفظوا بها بعيداً في ذلك الرفّ الذي ينتظر تلك القبضة المعرقة من آخر حربٍ خاضتها .
لمْ يكنْ حضورهم تلك الليلة بالمفارقة البتة ، فكما نعيش بإرادتنا ، فنحن نحبُ بإرادتنا ، نحب أن نعيش بحياة ، نحب المسماة " حياة " ، نحب الثرى الذي ينساب بلطفٍ من تحتِ قدمينا ، شموخنا لهو شيءٌ إضافيٌ لنحبه ، نحب انتظارهم على أمل الرجوع يوماً ما ، وسيرجعون ، وسترجعُ أحلامُنا ، " ياه " ، من قالَ بأنها قد ذهبتْ أصلاً ..

8 comments:

المنفي said...

wellcome back ya 3roooba :)

الحلونجي اسماعيل said...

أمورة هالبنوت .. وحبيتهم لغنماتها
أنا كمان كان عندي غنمات وأنا صغير .. وكمان أبوي كان مسجون .
بس الفرق بين سجن هاي الأيام وسجن زمان إنه كان أبوي ينسجن 18 يوم ويطلع مريض لسنة قدام من كثر الضرب
ولحد هلا هو مريض و برضو من السجن .

ابقي سلميلنا عليها لليندا ... وبوسيلنا اياها , واحكيلها عمك الحلونجي اسماعيل حبك من النظرة الأولى يا صاحبة الابتسامة التي أذهلت عروبتنا .

عـــــــــــــــروبة said...

المنفي ،

لا أزال هناك .... أهلا بعودتكَ أنتَ ..

تحياتي\\

عـــــــــــــــروبة said...

حلونجي بلدنا ،

بتعرف، وأنا كمان بحب الغنم ، بحب رعيهم كتير مع أني مرة وحدة سنحتلي الفرصة لأمارس هذي الهواية ،،لكن بالمستقبل بفكر أشتري شلية الي والها كمان ،، نبقى نرعاهم انا وهي

:)
اضف لزهر اللوز ، الماعز ، ومؤخراً لم تفارقني صورة الفرس ، أفكر كذلك بشراء حصان في المستقبل ...

وطننا رائع ، مآسينا تحيلنا لحالمين ،،

سأسلم عليها

تحياتي\\

جهادي said...

دائما أنت مميزة في تحقيقاتك هذه

تبحثين بين الكلمات العابرة

وبين الهوامش

لتضعيه في العنوان الرئيس
***

ربما قد كبرت تلك الطفلة أكثر من عمرها لما رأته من امور لا ينبغي لها مشاهدتها ,,,,مما جعلها تكبر في طريقة سرد ذلك المشهد الغريب عليها !!

أتمنا لجارنا الإفراج القريب من ذلك السجن المظلم ,,,


كلنا على ذلك الهدف وإن إختلفت الدروب والأشكال ,,


تحياتي لك

عـــــــــــــــروبة said...

جهادي ،

دائماً انتَ رائعٌ هكذا ،، كلنا نتمنى ذلك ،، هي تتمنى أيضاً وطفولتها تعيش هذه التجربة لتكبر وتكبر ...

قلتُ لها :
" انت مفكرة أبوكي بيخاف هناك ...لا أصلا هما اللي بيخافوا منه مشان هيك أخدوه .. أبوكي بيخوّفْ"

لها ان تصدق ..

كلنا نخيفهم ..

تحياتي\\

رواء أبوهويدي said...

ما شاء الله ولا قوة الا بالله

أسلوب ومستوى أغبطك عليهما

لم انته من نصك دون حرقة هناك وكسرة دمع !!

هذا أدعوه الرقص على الكلمات

آه طويلة

تحيتي

عـــــــــــــــروبة said...

الصديقة " رواء أبو هويدي "،

سرّتني اطلالتكِ كما وسرَّني حضورك الدائم هنا ،،

أشكركِ جزيلاً على هذا الاطراء الذي أتمنى أن أكونه ..

تحياتي\\