Tuesday, July 8, 2008

فِي ذكراهُ

غسّان كنفاني : عكّا 1936- بيروت 8\7\1972
لستُ بارِعةً في الرِّثاءِ ، ولستُ أود أن أكونَ كذلك، سيما وسخافةُ العباراتِ تقتصُّ من ما يفترشُ مخيلتنا من أحاسيسَ ، حتى لنكادُ لا نعي أنحن حزينون ؟، أم فرحون ؟، أم تراها المراسيم المبتذلَةُ قد فعلتْ فعلتها لنبيت ببذلاتنا السوداء نتلقى عزاءاً غير منقطعٍ .
لن أقول كما يقول كثيرون بأنَّه لا يزالُ بيننا ، ولنْ يكونَ السببُ بطبيعةِ الحال خجلي من تلك المساحاتِ التي تنتظرهُ مستمعةً إلى سيل الهتافاتِ منذ ما قبل التاريخِ وأبعد .
كان يعي جيِّداً أنًَ الوصولَ إلى تلك المساحاتِ لنْ يكونَ قبل الوصولِ إلى الذين سيحملون الراية إليها ولا مجالَ للتجزئةِ ولا مجالَ لاستثناءِ بعضها أو بعضنا ، والرَّايةُ شرطٌ أساسيٌّ للوصولِ لذا فتعدد الرايات هو انعدامها بطبيعة الحال.
ترتمي الشعارات أمام مرأى عينيَّ تستقبل كلَّ ذكرى بابتسامةٍ بلهاءَ لا تعي أبعدَ من شفتين ،ننام على واحدةٍ لنستيقظَ في موعدٍ مع أخرى حتى تكاد المطابع تتهاوي خجلاً من صورهم وهي تخرج محمَّلةً على أكفِّ لم تشهدْ من أصحابها إلا ما قالوه وجاء الطاغوتُ ليخطفهم قبل أنْ يجدوا كلماتهم تحيا وتتحرّكُ ..
"إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية.. فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغيرالقضية"

لمْ أكنْ أظنُّ بأنَّ بحثيَ الذاتيّ عن " أم سعد " سيكونُ بهذه الصعوبة ولمْ أكنْ سأتوقعُ ما أتكبده من عناء إخراجها من أعماقي ، خلتُ أنَّ بساطتها ستكون في صفي ، لأصلَ إليها قبل الآخرين ولكن ما لمْ أتوقعه هو ذلك الكمّ الهائل من الأسئلةِ التي أضحتْ تعصفُ بما أُمَنْطِقُهُ من خطواتٍ :
" إلى أين ؟" بات أشدُّها قسوةً والتصاقاً بدربي .

في ذكراه هذه ، لا شيءَ أتذكره أكثر من " رجال في الشمس " ، تلك التي كانتْ أولى خطواتي نحوه ، طالبةٌ كثيرةُ الشغبِ لم تتجاوزْ بعدُ سنَّها الــ 12 ، في تحدِّ كبيرِ أمامَ ماهيَّةِ هذه الصفحات التي تحتلُّ مساحةً ما من كتاب اللغة العربية الخاص بمرحلتها ، لمْ يكنْ الأمرُ يعنيني بشيءٍ ولم أعرْ اهتماماً حتى بطريقةِ معلمتنا في سردِ هذه الصُفَيْحاتِ على أنها الرواية كاملةً أوهذا ما خلتُهُ حينها ، ولكن كانتْ المواجهة الأكبر عندما انفردتُ بذاتي أنا والكتاب لأقرأها مرَّةً أخرى ولأودعها كما ودّعتُ كتابي ليكونَ لقائي بها متجدداً كل ما حننتُ إلى ذكراي والى صرخةٍ ما من شأنها أن تخرجنا من خزان جمودنا قبل أن نختنق صمتاً .
أتذكرُ الآن وفي هذه اللحظاتِ أحاديثي وصديقاتي عن عامِنا المنصرمِ ، رغم ما تكبدناهُ من هزائمَ ، إلا أن ثلاثتنا نعترفُ بميلادنا الآخر فيه ، لنْ أقولَ بأنَّ الفضلَ يعودُ له كما يعودُ لكثيرين ، بلْ سأكتفي بفولِ أن فلسطينيَّتنا التي حزَّتْ في داخلِهِ حتَّى أخرجها نماذجَ لمْ يشأْ أن تكونَ وطنيّةً إلا أنها كذلك ، إن هذه الفلسطينيَّة هي أيضاً سرُّ ميلادنا الآخر لا الأخير طبعاً ، هذه الفلسطينيَّةُ التي تجسَّدتْ من وعينا التامّ بسؤالٍ آخَر :
" ماذا نريدُ ؟" ..

هو الإنسان ، العاشقُ حتّى قضمِ الثرى ، الفلسطينيّ روحاً تنبضُ حياةً إلى ما بعدَ الحياةِ ، المصيبُ تارةً ، المخطئُ في أغلبِ الأوقاتِ ، لم يرتدْ حتَّى يصنعَ جنته فمات ولم تمت جنته كما خاصّةُ شدّاد ، بلْ أضحتْ صورةً تؤرق لياليَ الحالمين بثورةٍ.

"إنها الثورة! هكذا يقولون جميعا..و أنت لا تستطيع أن تعرف معنى ذلك إلا إذا كنت تعلق على كتفك بندقية تستطيع أن تطلق.. فإلى متى تنتظر؟!"
اليومُ ، والغضبُ يعتصرُ فؤادي وأنا أراهم يغيّرون الدرب بحجةِ ثبات الهدفِ ، الآن وأنا أرقبهم يتلاعبون بالكلماتِ التي نسجتها وطناً للوطنِ ، لا يسعني اختلاقُ أكثرَ من كلماتٍ تحيلنا في نهاية المطافِ لوجهٍ آخر من عملتهم..
"إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق و تافه لغياب السلاح..و إنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه"
فلتعشْ..

18 comments:

محجـــــــوب said...

تحياتي اليك يا عروبة. انا لم اقرا لك منذ زمن طويل لأنشغالي بالكتابة في الصحف التونسية.. انا منشغل بالكتابة عن المخدرات, لا سيما باننا اقطن بمدينة القصرين وهي منطقة حدودية مع دولة الجزائر, وتعتبر منطقة عبور للمخدرات.. نحن نكتب ولكن من يقرا...
والحقيقة لقد اشتقت كثيرا لكلماتك.. وشكرا مرة اخرى على هذا الأبداع "في ذكراه"... وكما تعلمين امنياتي لك دوما بالأبداع

محجـــــــوب said...

كما اعجبني حديثك عن الحجاب في تركيا....

Moh'd Shaltaf said...

أشعر بأني قزم عندما أستحضر قامات مثل غسان وناجي...ينعقد لساني خجلاً

أكتفي بنقل ما كتبه د. يوسف ادريس في مقدمة القصص القصيرة - الآثار الكاملة

ايها الناس
اقرأوا هذه القصص مرتين
مرة لتعرفوا انكم موتى بلا قبور
ومرة أخرى لتعرفوا ان قبوركم تجهزونها وأنتم لا تدرون
قبور الثقافة بلا ثورة والثورة بلا ثقافة. قبور الخوف على الحياة حتى تستحيل في النهاية الى وجود حيواني خسيس
اقرأوا هذه القصص...
فهي لرجل عاش
عاش كما لم يعش أحد
حتى بمقاييسكم البورجوازية
فقد نال من الحياة اقصى ما تستطيع تقديمه من نفع
نال متعة الشرف، متعة الحر
أما متع العبيد التي تلغون فيها فآه لو رأيتموها على حقيقتها يوما
هذا رجل عاش
ومات
مات متفجرا منسوفا
ولكن كل قطعة من جسده، كل خلية، ستحتل من الوجود حتى وجودكم انتم، اضعاف اضعاف ما تحتله افيالكم وسياراتكم و...
ذلك انه مات كي لا يموت. مات كي يعيش
اما انتم فقد متم مرات خوفا من الموت
ان الرجل نبضة صدق وحرية
والنبض في كثير منكم توقف من زمن، اما الحرية....
اقرأوا قصص غسان كنفاني
واجعلها يا شعب فلسطين قرآنك
غنوهاوترجموها واحفظوها فهي اعمال تصنع الرجال
أم أن هذه الأمة العربية، لم يعد يهمها أن تصنع الرجال؟!

محمد المصري said...

وطالما سيعش ، فلا حاجة للرثاء
فلا رثاء للأحياء !

غسان .. ما آمن به غسان .. ما عاش من أجله غسان .. ما استشهد من أجله غسان ، هو أجمل ( ما تبقى لنا ) من ( أرض البرتقال الحزين )

بذلك فذكراه ليست للرثاء ، ذكراه لاستعادة سيرة تحمل أبهى ما في سيرتنا

بوست رائع جداً يا عروبة

EGYPT EYES said...

الرفيق غسان كنفاني يعيش في قلوب رفاقه

لاجئ الى متى said...

رحلت وبقيت الذكرى غسان

صدقا ً خيمة عن خيمة .. تفرق

vagueraz said...

عروبه صارلي زمان ما زرت مدونتك ...
ممم... غسان كنفاني شخصية رائعة ... شخصية مناضله ....
ذهب ..... نطلب له الرحمة....

نسيان said...

لماذا كلما اسمع اسمه استحضرت ذاكرتي اواجعنا الامنا اللتي ما زالت تغرس انيابها في ايامنا حتى الان الام غسان مازالت في جوارحنا جميعا
اشكرك عروبة على طرحك المتميز
كوني كذالك دائما ,كوني بخير

لاجئ الى متى said...

عروبة .. انت عارفة
انه هاي الصورة كانت على مدخل مخيم الدهيشة ؟؟

عـــــــــــــــروبة said...

مداخلة لمداخلة اللاجيء
____________________________-

عرفت انها ع مدخل مخيم ..


ولتكنْ اذن على مدخل الدهيشة .. رائعٌ أن تنعمَ برؤيتها صباح مساء ..

عمتَ طيّباً يا لاجيء

_______________________________

عابرة said...

قال الاديب الكبير والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني احدى العبارات التي تجعل الشخص يفكر مليا ماذا تعني تلك العباره :(‏ بعد الموت تتبدل الأشياء يسافر دم القربي عبر المسافات‏,‏ يمهد سبل الخلاص للقادمين‏).

alzaher said...

سيعود يوما ما
ونحن معه
الى شاطيء حيفا
يزرع فيه وردة
ويقرأ الفاتحة على قبر القسام
وندق معا بأيدينا
جدار الخزان
ليعود خلدون الى أحضان صفية
وتبقى القضية

المنفي said...

يا فرحة غسان بيكي

عشان هيك

انا والله فكري هنيكي

يعني وهني اهلك فيكي

عـــــــــــــــروبة said...

مسرورة لمرور الجميع ها هنا :
_______________________
د. محجوب

دائماً نكتب ، ولكن كثيراً ما يضيع أغلبنا لينفردوا بكتاباتهم الذاتية التي تذوب وتذوب الى أن تتلاشى ،أنت لستَ منهم ، وسعيدة بكونك كذلك . حتى فردياتك هي هموم العامة ، فلتكتب اذن .

تحيتي لكَ ولتونس أسعدني اعجابكَ

_______________________

Moh'd Shaltaf

كلنا أقزام ، الى أن نصرخ صرختنا لنفيق ،
أحبّ ما كتبه احسان عباس في مقدمة الروايات \الاعمال الكاملة .كما هو الحال مع مجلد القصص القصيرة ، يصف انساناً أولاً قبل أن يصفَ كاتباً ..

تحيتي لكَ\\

_____________________________

محمد المصري،
الأروع هو مروركَ على صفحتي ..أظل دائماً عند مقولتي ، بأن مثقفينا أينما وجودوا هم مثقفو العروبة قاطبة .

تحيتي\\

_______________________________

عيون مصر ،

أسعدني مروركَ ، ظلّ هنا ..

تحيتي\\

________________________________
لاجئ الى متى ،

يكفي أن تمر من دون تعليق لأفخر بنفسي ، صدقاً يكفيني ذلك منكَ ..
وبما أنك قد علقت ..أشكركَ

_________________________________

vagueraz

من الجيد أنكَ عدتَ ،أتابع مدونتك أنا كذلك .

تحيتي\\

__________________________________

صديقتي " نسيان "،
لا مجال لنسيانهم !!

أدعو لكَ بالخير

__________________________________

غاليتي " عابرة"
كم هي كبيرة بصغرها تلك الأشياء التي يتحتم علينا ان نعيها رغم نومنا ..

صديقتي ، سيظلّ رفيق دربنا ..

تحيتي\\
__________________________________

الزاهر ،
ليس لدي سوى
" شكراً لكَ ، بحجم حبنا المخفيّ على هذه الأرض"

تحيتي\\
__________________________________

المنفي ،

دائماً أن تعني ما تقوله ، لذا أفخر بنفسي لذلك ،
أهنئكَ أنتَ الآخر

تحيتي

________________________________-__
تحيتي لكلّ الذين مرّوا على عجلٍ ولم يكتبوا شيئاً ،

محبتي لأولئك الذين تنفسوا ما نكتبه لتبيت الكلمات أسخف ما يُقال ..

محمد صبحى said...

بقالى كتير مادخلتش عندك ياهداية

طبعا مافيش كلام هيتقال على الشهيد غسان كنفانى


وزى ماقال المصرى

ذكراه ليست للرثاء ، ذكراه لاستعادة سيرة تحمل أبهى ما في سيرتنا

تحياتى وربنا يوفقك فى الدراسة -لو كانت بدأت-

قلوب بتغنى said...

عروبه جميل ما كتبت
اعجبنى الجزء الاول من بوستك
تحياتى اليك

CًٍHًٍE said...

فلتحيآ رفيقي ..


لن أتكلم عن العظماء ,, فما زلت صغيراً

تحياتي لكِ عـُــروبة ,, كتابتك رآئعة

\\

che

جهادي said...

فلتعشْ ,,
حتى وإن لم يكن في ذلك الجسد الذي عرفوه ,
،،،،
تحيتي لك