Friday, June 20, 2008

لستُ من محبّي المدنِ

تغمض المدينة بجفونها على آلامهم ، لا مجالَ الآن لتذكّرها وصيغة الماضي الناقص ما هي الا وسيلة نهرب فيها الى حيث لا نجد ذاتنا ،" لستُ من محبّي المدن" ، سيَّما تلك التي تتقمص دور الضحيَّة كيْ لا تُسأل الى أين تمضي والركبُ ، تخالُ نفسَها قادرةً على اختلاق الحزن في عيون باعة البسطات المتجولين هرباً من أمن البلديّة ، حيث في نهاية المطاف آوتهم في سوقها الشعبيّ الذي لا يلعب أكثر من دوره وأقل قليلاً ، "لستُ من محبي المدن" عبارة ليست بالمعممة البتَّة ، كما هي عبارة " أحب تلألؤ حبات العرق على جبين الفلاّح " ، أرادتْ تلك المدينة ذلك ليس لأنها الأكثر ملاصقةً لمراحل تطوري الفضوليّ حدَّ احتواء أدقِّ تفاصيل الهوى ..بلْ لأنها تريدُ ذلك وكتلة النار المنعوتةُ بسببها أظنها دائمةً كفاية لتجعلني أخصص مشاعري ، أرادتْ تلك المدينة أن أكون" أنا " كذلك ، كما أرادتْ سبسطية سابقاً وها أنا لا أزال هنالك ، أعد الخطى خطوةً خطوةً ، أنثر الحصى على الدرب كيْ لا أعتاد الطرق الممهدة ..


دوار الشهداء\نابلس ،، الطابق الخامس \عمارة العنبتاوي

" في الصباح " ، - لا معنىً آخر تحمله هذه الكلمة الا ذلك الشعور بالـوجود في غمرة افتقاده الذي دام طويلاً - ، لا تزال مغمضة تسترق لحظاتٍ أخرى من السكون الفوضوي ، ساذجة هي أمْ تراها تتساذج، والآن!! ، لستُ مستعدةً لخوض هكذا رهانات مع سيدة الرهان ، مستعدةٌ فقط لأعيشها وأعيش وجودها ، شوارعَها التي تكادُ تخلو من المارة باستثناء أولئك الذين أرادوا أن يعيشوها هم كذلك ، لم تستطعْ تلك الكتل الإسمنتية و الزجاجية حيناً آخر ، لم تستطعْ أن تحجبَ عنّي عبقَ صباحٍ أرضي قادم من إحدى المساحات التي لمْ يصلها حلمٌ بشريٌّ بمصافحة السماء ، تلك المحالُ التجاريَّة التي هنئتْ لفترة ليست بالطويلة من مقارعةِ آخر زبونٍ ، حفظتْ أبواب المحالِ أيْمانَ البائعين كلها التي لا يتوانون في سردها واحدةً واحدةً ، حتى يفرغَ جيب ذلك الموظف الذي عطف إلى هذا المحال بعد زيارته الشهريَّة إلى أحد البنوكِ ..سئمتْ تلك الأبواب تلك القصص كلها .. حتى تراها تكاد تنطق بها :" من جديد !!!" ...أولئك العمال الذين التهوا بهواية افتراش الأرصفة حتى يحين ميعاد فتح آخر ورشة وُوفِقَ على عملهم فيها فأفنوا الليلةَ يحمدون الحكمةََ الإلهية التي اصطفتهم من دون العباد ..
قد يكونُ الحديثُ عنها الآن ليس بالمناسب أبداً ، وربما يكون الحديث عنها بشكلٍ عامٍ ليس بالمناسب ، ولكِن ، لن تموتَ الكلماتُ مطلقاً بلْ ستحيا لنحيا ، في ذلك المنعطف وبعد اجتياز حاجز الــ 17 (حاجز يفصل بين نابلس وقرى الشمال ) ، في ذلك المنعطف وأنتَ تجدُ نفسَكَ في لحظةٍ وداعيَّة استقبالية شبه يوميّة ، قد تساوركَ شكوكٌ في أن لا تجدَ ذاتَكَ هنالك ، وأنَّ لحظاتِ السكينة هذه لن تدومَ طويلاً اذ سُرْعان ما يشرع الآخرون في قرعِ طبول الحياة ، ليلمحوا بطريقةٍ أو بأخرى على وجودهم هاهناك .. قد تساوركَ تلك الشكوك ، سيَّما ولا تزال تخاطب ابتسامةَ آخر عجوزٍ قرويَّةً ودعتْكَ لتعود ، قد تساوركَ تلك الشكوك ولكِن قدْ أيضاً تكتشفُ ما يختبئ في غيابات حضورهم ، ستكتشفُ ذلك السنونو الذي قاوَمَ تراكمَ النسيانِ في شرفة بيتٍ قديمٍ قد يُهدَمْ في أيّة لحظة ، قد تصل الى ما لم يصل اليه كثيرون ، لا تنسَ أن تعيدَ الغطاء الى ما كان عليه حتَّى يجيء آخَرٌ ويحسّ دفءَ الوجود كذلك ..


ملاحظة 1:

" لمْ أعدْ بعد"
ملاحظة 2 :
صديقتي ،، أشكركِ

18 comments:

CًٍHًٍE said...

لستِ من محبّي المدن

" " أَنَآ كَآرِهٌ لِلْمُدُنْ " "

إنني أعشق البساطة , الهدوء , الأرض

مع حقدي على الرجعية والبدائية

قد تكون مدينة"نابلس" تحديداً أكثر مكان أكرهه وتحديداً المحال التجارية والتجار بكافة أشكالهم (مع احترامي للجميع) لأنها مدينة تجارية كرهتها قد يكون سبباً غير مقنع لأن فكرة التجارة تسيطر على جميع مجتمعاتنا وخاصة الطبقة الوسطى التي تحلم في التقدم لكنه تهدم أهم طبقة في المجتمع وهي طبقة الكادحين

قد أطلت حديثي , وأنتِ التي لا تحبين المدن ولست أنا

الدوار : هادي أول مرة بعرفو مع إني بشوفو كتير .. شكراً الك (معلومة) جديدة

//

che

عـــــــــــــــروبة said...

che

الفرق في أني لا أحب المدن ، هو اني لست بكارهة لها أبداً ، ربما لتعداد الأشياء القليلة جداً التي أكرهها في حياتي ، رغم عمومية عدم حبي للمدن الا أن نابلس استطاعت واستطعت أنا وهي أن نكتشف ما يُحَبُّ في كل شيء ،، وقد اكتشتفته ..

ألمْ تزر البلدة القديمة ؟؟

سيطول الحديث عنها ..

مكتبة البلدية ؟؟

سيطول الحديث أكثر ..

ستكتشف بأنك لا تكرهها ..

بالنسبة للدوّار ، مش قضيّة أنت تعرفه ليس من الأهمية بشيء أن تعي ذلك ..

تحيّتي

لاجئ الى متى said...

اختي عروبة
احب الدروب الوعرة والتراب ايضا
وابغض السواد الذي يلف الكثير من الطرقات
قد لا يروقك ما يلي .. كونك لست من محبي المدن
الان والساعة تعلن السادسة وبعض الدقائق صباحا
انتهيت لتوي من ذرف القليل من الدموع
التي فضلت الرحيل عن مقلتي
لا لسبب الا على اسماء مدن طواها التاريخ العربي البغيض
في وثائقي عن نكبتنا وعن بطولات العرب العظيمة
حيفا . قيسارية . يافا . اللد . الرملة . عكا
المشكلة اني لم استطع مسح دموعي
لا لسبب ايضا الا نظرات والدي
الذي يراقب تشنجات وجهي بدموعه الوشيكة
حيث انه وكما بدا لي استرجع لحظات حياته
التي لم يعشها كما أراد
..
اعطاني القليل من العبارات المرهقة ونام

محمد صبحى said...

بما إنى شفت صور لسبسطية
فهأقولك ليكى حق ياهداية

لكن برضه زى ماقلتى على نابلس
مش كل المدن لاتُحب


هامش: إيه أخبار النتيجة؟؟

عـــــــــــــــروبة said...

لاجيء الى متى ،

لستُ أحبُّ كل ما هو سطحيّ ، كل ما لا يحكي حكايةً ، مأساة ، فرحة ، انتصار ، مدننا تحكي ولا تملّ الحكايا ، لذلك ستظل رفيقاتٍ لنا في دربنا الطويل ، نعيش لأجلها ..

أعلم جيّداً بأنك قد فهمت ما أصبو اليه ، هنالك تفاصيل تجعلك تظن معزوفة ما محض معزوفة لمسابقة موسيقى ومن ثم ينتهي الأمر وتضيع ، هذه التفاصيل موجودة في أغلب المدن ، موجودة في جشع الفئات الرأسماالية التي تهوى الاقتصاص منا كفرائس ،، ولكن في الوقت ذاته هنالك تفاصيل تجعلك تعيش المعزوفة حتى النخاع ، تفاصيل كثيرة وقد احتوتها نابلس ..

لا تذرف دمعاً كثيراً الآن ، قد تحتاج دمعاتٍ للفرح ولا تجدها..

تحيتي الحارة لكَ أخي ..\\

عـــــــــــــــروبة said...

أخي " محمد صبحي "،

لأنكَ تعشق الريف قلتَ ذلك، فأنت تعشقها من قبل أن ترى سبسطية ، مذ وُجِدْتَ ..

أشكركَ

بالنسبة للنتيجة ،، لا زلتُ قويَّةً وسأبيت أقوى .. ولنا لقاءٌ السنة القادمة وأنا أقوى وأقوى ..باذن الله

تحيتي\\

صمود said...

غاليتي
انا لا احب المدن كذلك ولكنها جزء مني فهي مميزة جدا ، تحمل بين احضانها ذكريات تزيد عما تحمله قريتنا او غيرها ولكن قريتنا ما زالت بريئة والمدن فقدت هذه البراءة منذ زمن بعيد

جهادي said...
This comment has been removed by the author.
جهادي said...

وأنا أيضا لا أحبها ,,, وأنتم لا تحبونها ,,,


لكن عدم حبنا لها ليس دافعا لعدم زيارتها ,,, فلا أحد ينكر دورها,,,

,,,
لكن ,,
يبقى سكون العصافير والأشجار ,, مناظر القرية الصامتة الصائتة في قلوبنا ,, رائحتها الهادئة ,,,,, ترابط أهلها ,, هي ما تجمعنا على حبها


عروبة // تحياتي لكِ

عـــــــــــــــروبة said...

صمود،

عهدتُكِ أقرب

أحبّكِ أقرب

ادنِ مني صديقتي .

عـــــــــــــــروبة said...

جهادي ،

لديكَ رؤىً بيضاء لا تختلف كثيراً عن خاصتي الا في كونها أشد بياضاً ..

سعيدة بكون خاصتي بيضاء ..

سعيدة بمروركَ

تحيّتي\

نسيان said...

ارى الامر ذاته بالنسبة الي
ضوضاء المدينة تثير الفزع في داخلي احيانا و احيانا اخرى تطغى على نفسي نوع ما يشبه الامن و الطمأنينه مع وجود ضوضائها
تقبلي تحياتي عروبه
كوني بخير عزيزتي

عـــــــــــــــروبة said...

صديقتي " نسيان " ،

فخورة بمرورك ،،

لستُ أشكُّ في نظرتكِ ..



كوني دوماً في الأرجاء

المنفي said...

اهل القرى يحبون المدن
واهل المدن يحبون القرى
وما بينهم طريق
قد يكون الاجمل من تلك المدن وتلك القرى
وقد نجد الاجمل من كل ذلك
مقعد محطة
نجلس عليه في انتظار الحافلة التي تقلنا الى حيث نريد
مدينة او قرية
المهم
ان تودي بنا الى حيث نريد

che said...

زرت نابلس سنه الأجتياح الأسرائيلي لبيروت
و مع اني كنت طفلاً صغيرا ظلت المحطات التالية تثير الحنين في داخلي
اتمنى ان كان لديك صور حديثة او من اي شخص عن الأماكن التالية ارسالها لي و ساكون ممنون له من كل قلبي:
hvac.mechanical@gmail.com
الدير
عمارة مسمار
الدوار
مخيم بلاطة
مخيم الفارعة
سخانات منصور
شارع القدس
الباذان

عـــــــــــــــروبة said...

المنفي ،

الرؤية الأولى ليستْ لكَ مطلقاً ،في حين مستعد لتبني الثانية ..

تحيّتي\\

عـــــــــــــــروبة said...

che
آخر في الديار

يا مرحباً ..
سأرى انْ كانَ بوسعي جلبُ البعض ..

ظلَّ بخيرٍ حتَّى ذلك الحين ..

تحيتي\\

راحل said...

بوسعك أن تحذفي التعليق ... فالتكنولوجيا التي تحجب هي ذاتها تسمح بتكسير كل الحجب ... ما أوقفني عنا هو حاجز 17
لأنه سيكون الذاكرة القادمة لعشرين سنة
قادمة و لآخر مرة سأكتب هنا ...
أو في فضائك كله
----------------
قال لها صارت الصفحة التي بيننا بلون الزفت ، قالت فلتنظف زفتك واحداً ، سقط قلبه و للوهلة الأولى كاد أن يسلم الروح ، و لكنه استعاد رباطة جأشه و أمسك جاروفة و مضى للعمل ، لم يعد زبالاً منذ زمن ، لقد وجد عملاً جديداً اليوم : الزفت ! لقد كان أمر العمل يقلقه لدرجة أنه لم يعد قادراً على النوم ، و لكن الحمد لله ، ها قد بدأت طلبات العمل تنهال عليه ، حنظلة الطريق إلى بيتنا يعج بالغبار هلا وضعت قليلاً من الزفت عليه ، حنظلة سقف المدرسة يتشتش و قد أقبل العام الدراسي و سيغرق الأطفال بالمطر هلا لنا بالقار !

ابتسم … منذ زمن هو مدمن على الانتظار ، لأجلك جولاننا ، إنه يحب الجولان ، من هي التي تكتب عن الجولان ، عندما وصل على المفرق و دون أن يحس بكى تحت تلك الشجرة ، لا لم تصبه رصاصة طائشة و لم يدمه سهم ، بكى لأنه أحس برغبة في البكاء في حضرة صاحبة الرؤيا ، لم يكن أبداً غريباً هناك ، نام كالطفل و استيقظ في عقبه سهم !



كان الشهداء يتساقطون كالمطر على بحر غزة ، و بعضهم أدمن العويل فاتهم بأنه مارق ، و احتج حنظلة و كان لا بد له أن يحتج ، عمره عشرة أعوام بلى و لكنه يختزن بقية النور و كانت غزة و عويلنا صرخة … في وجه أولئك الذين يروجون للهزيمة كما في وجه أولئك الذين يعيبون علينا أنا حزنا لمصاب أهلنا فطالبونا بالانتحار ، و تمر الأيام و حنظلة يلملم ياسمين دمشق و ينتظر … لا أحد يعرف ماذا ينتظر ! كان ينتظر و حسب حتى أطل النور ، و عندها احتفل وحيداً ، لم يسأله أحد لماذا تحتفل أو بمن ، كان يحتفل و كفى … حتى توجها أميرة للضوء ، حينها انتهت الحكاية !



سيقول لها بأمان الله … الآن و هي تطلب منه أن لا تراه ، و متى كان النور يعانق الزفت …. و حنظلة زفت يلتهب في حرارة آب ، سيبقى ملتصقاً بالتراب ، لقد كان التراب دائماً وطنه …قال لها : و أنت بأمان الله سنلتقي يوماً على معبر !